عبد الملك الجويني

105

نهاية المطلب في دراية المذهب

من غير تقدّم ( 1 ) الدعوى ، فلو ابتدر الشاهد وشهد ، ورددنا شهادته لوقوعها قبل الدعوى ، فإذا ادعى المدعي ، فلا شك أنه لا نكتفي بالشهادة المتقدمة ، ولكن لو استعادها فأقامها الشاهد مرة أخرى ، أو أعادها ، فهل تقبل الشهادة المعادة منه ؟ فعلى وجهين مشهورين ، ولأصحابنا في إيرادهما مسلكان : أحدهما - وهو الذي ذهب إليه الجمهور أنا إن قبلناها - وهو القياس - فقد لغا ما تقدم ، وإن لم نقبلها معادةً ، فالسبب فيه ما ظهر من تشوّف الشاهد إلى الشهادة ، وهذا يُلحق به تهمةً في مقصود الواقعة . ثم استتم هؤلاء التفريع وقالوا : إذا رددنا الشهادة المعادة ، فالمخلِّص من هذا التعذر أن يتوب الشاهد عما جرى له ، ويذكر أنه لا يعاود مثله ، ولا يبادر الشهادة قبل الاستشهاد ، ثم الفاسق إذا تاب ، لم تقبل شهادته حتى يُستبرأ شهراً ( 2 ) . قال الأصحاب : هذا المبتدر يُستبرأ أيضاً ، ولا يبلغ استبراؤه مبلغ استبراء الفاسق يتوب ؛ فإن الغرض يحصل بأن يتبين لنا [ تنبهه ] ( 3 ) لإقامة الشهادة في حقها ووقتها [ وترك ] ( 4 ) ما يدل على ( 5 ) غرضه من التشوّف والابتدار . وهذا المسلك وإن كان ظاهراً ، فليس على ما أوثره وأحبه . ( 6 ) وقال قائلون من أئمتنا : سبيل ( 7 ) ردّ الشهادة المعادة أنها جرت ، فرُدَّت ممن كان على الجملة متمكناً من شهادة مقبولة ، ومن رُدّت له شهادة مقبولة على هذا النعت ، فإذا أعادها ، لم تُقبل منه ، كما لو شهد الفاسق في حالة فسقه ، فرُدت شهادته ، فلو تاب وظهرت عدالته ، فأدى تلك الشهادة ، لم تُقبل منه ، فكذلك القول

--> ( 1 ) ت 4 : " تعرص " . ( 2 ) في ت 4 : " أشهراً " . ولم أصل إلى تحديد مدة الاستبراء هذه في البسيط ، ولا الشرح الكبير ، ولا الروضة ، ففيها كلها إشارة موجزة إلى الاستبراء ، بدون ذكر الشهر والأشهر . ( 3 ) في الأصل : " شبهه " ، في ( ت 4 ) لا تكاد تقرأ . ( 4 ) في الأصل : " ترك " ، وفي ( ت 4 ) : " ونزل " . ( 5 ) ت 4 : " عليه " . ( 6 ) هذا هو المسلك الثاني . ( 7 ) سقطت من ( ت 4 ) .